أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

40

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الواو في مثل هذا تفخيم ، لأنه يؤذن بأن كلّ صفة مستقلة بالمديح . والجواب الثاني : أن هذه الصفات متفرقة فيهم ، فبعضهم صابر ، وبعضهم صادق فالموصوف بها متعدّد ، وهذا كلام أبي البقاء . وقال الزمخشري : « الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كلّ واحدة منها » . قال الشيخ « 1 » . « ولا نعلم العطف في الصفة بالواو يدلّ على الكمال » قلت : قد علمه علماء البيان ، وقد تقدّم لك تحقيق هذه المسألة في أوائل سورة البقرة ، وما أنشدته على ذلك من لسان العرب . والباء في « بِالْأَسْحارِ » بمعنى في . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 18 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ العامة على « شَهِدَ » فعلا ماضيا مبنيا للفاعل ، والجلالة الكريمة رفع به . وقرأ أبو الشعثاء : « شَهِدَ » مبنيا للمفعول ، والجلالة المعظمة قائمة مقام الفاعل ، وعلى هذه القراءة فيكون « أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » في محلّ رفع بدلا من اسم اللّه تعالى بدل اشتمال ، تقديره : شهد وحدانية اللّه تعالى وألوهيته ، ولمّا كان المعنى على هذه القراءة كذا أشكل عطف « الملائكة وأولي العلم » على الجلالة الكريمة ، فخرّج ذلك على عدم العطف ، بل : إمّا على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره : والملائكة وأولو العلم يشهدون بذلك ، يدلّ عليه قوله تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ » ، وإمّا على الفاعلية بإضمار محذوف ، تقديره : وشهد الملائكة وأولو العلم بذلك ، وهو قريب من قوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ « 2 » في قراءة من بناه للمفعول ، وقوله : 1405 - ليبك يزيد ضارع لخصومة * . . . « 3 » في أحد الوجهين . وقرأ [ أبو ] المهلب عمّ محارب بن دثار « شهداء اللّه » جمعا على فعلاء كظرفاء منصوبا ، وروي عنه وعن أبي نهيك كذلك ، إلا أنه مرفوع ، وفي كلتا القراءتين مضاف للجلالة . فأمّا النصب فعلى الحال ، وصاحبها هو الضمير المستتر في « الْمُسْتَغْفِرِينَ » قاله ابن جني ، وتبعه غيره كالزمخشري وأبي البقاء . وأمّا الرفع فعلى إضمار مبتدأ ، أي : هم شهداء اللّه . و « شهداء » يحتمل أن يكون جمع شاهد كشاعر وشعراء ، وأن يكون جمع شهيد كظريف وظرفاء .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 400 . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 36 ) . ( 3 ) البيت لنهشل بن حري انظر الخزانة 1 / 152 ، حيث ذكر نسبته أيضا إلى لبيد ، وإلى مزرد ، وإلى الحارث بن ضرار النهشلي وهو صدر بيت عجزه : . . . * ومحتبط ممّا تطيح الطّوائح انظر ابن يعيش 1 / 80 ، الخصائص 2 / 353 ، المحتسب 1 / 230 ، الهمع 1 / 160 ، الدرر 1 / 142 ، معاهد التنصيص 1 / 70 ، التصريح على التوضيح 1 / 274 ، الأشموني 2 / 49 ، المغني ( 2 / 620 ) . ويزيد هو يزيد بن نهشل الذي رثاه بهذا الشعر . والضارع : الذليل الخاضع ، لخصومة أي لأجل الخصومة فهو ينصره ويؤيده . والمختبط : طالب العرف ، والطوائح ، أراد المطاوح لأنه جمع مطيحة ، فجزمه على حذف الزيادة كقوله تعالى : « لَواقِحَ » وواحدتها ملقحة .